القاضي التنوخي
288
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
فقلت : يا مولاي ، حاشاه ، أيّ شيء عمل ؟ أعيذك باللَّه يا مولاي ، إلعن إبليس . فقال : ويحك ، أنا أبصر بما أقوله ، أنا رجل قد سست الأمور ، وأصلحت الدنيا بعد فساد شديد ، ولا بدّ من موتي ، وأعلم أن الناس بعد موتي لا يختارون إلَّا ولدي ، وأنهم سيجلسون ابني عليّا - يعني المكتفي « 1 » - وما أظن عمره يطول ، للعلَّة التي به ، قال صافي ، يعني الخنازير التي كانت في حلقه ، فيتلف عن قريب ، ولا يرى الناس إخراجها عن ولدي ، ولا يجدون بعده منهم أكبر من جعفر ، فيجلسونه وهو صبيّ ، وله من الطبع في السخاء ، هذا الذي قد رأيت من أنّه أطعم الصبيان مثلما أكل ، وساوى بينه وبينهم ، في شيء عزيز في [ 93 ب ] العالم ، والشحّ على مثله في طباع الصبيان ، فتحتوي عليه النساء ، لقرب عهده بهنّ ، فيقسم ما جمعته من الأموال ، كما قسم العنب ، ويبذّر ارتفاع الدنيا ويخربها ، فتضيع الثغور ، وتنتشر الأمور وتخرج الخوارج ، وتحدث الأسباب التي يكون فيها زوال الملك عن بني العباس أصلا . فقلت : يا مولاي بل يبقيك اللَّه ، حتى ينشأ في حياتك ، ويصير كهلا في أيّامك ، ويتأدّب بآدابك ، ويتخلَّق بخلقك ، ولا يكون هذا الذي ظننت . فقال : احفظ عنّي ما أقوله ، فإنّه كما قلت . قال : ومكث يومه مهموما . وضرب الدهر ضربه ، ومات المعتضد ، وولي المكتفي ، فلم يطل
--> « 1 » المكتفي : أبو محمد علي بن المعتضد ، كان من أفاضل الخلفاء ، وفي أيامه ظهر القرامطة ، وهو الذي بنى قصر التاج المشهور على دجلة ببغداد . بويع المكتفي بالخلافة بعد وفاة أبيه المعتضد سنة 289 وتوفي سنة 295 . ( الفخري 258 ) .